في عالم يزداد اضطرابًا، يجب على الدول العربية أن تعطي الأولوية للاعتماد العسكري على الذات. فعلى مدى عقود، اعتمدت العديد من جيوش المنطقة على الحلفاء الأجانب في مجالات التدريب، والتجهيز، والتوجيه القيادي، وحتى في التخطيط الاستراتيجي.
ورغم ما جلبته هذه الشراكات من فوائد، فإن استمرار الاعتماد قد خلق أيضًا نقاط ضعف طويلة الأمد. ومن الضروري الآن أن تعمل الجيوش العربية على توطين أنظمة التدريب، وبناء قدراتها المهنية الخاصة، وإنشاء هياكل قيادية مستندة إلى الخبرة المحلية والثقافة الوطنية. فبدون هذه التغييرات، ستظل الاستقلالية الحقيقية والأمن المنشود أمرًا بعيد المنال.
ومن أبرز الأمثلة على نجاح التوطين العسكري هو تطوير الحرس الرئاسي الإماراتي النخبوي. فقد تشكّل هذا التشكيل من خلال الدروس المستفادة من عمليات انتشار القوات الإماراتية إلى جانب القوات الغربية في أفغانستان. وبالاستفادة من تلك الخبرة العملياتية، تمكنت الإمارات من نشر وحدة ميدانية محترفة ومتكاملة خلال حملتها في اليمن. وكما هو موثق في رواية مايكل نايتس التفصيلية 25 يومًا إلى عدن، لعب الحرس الرئاسي دورًا محوريًا في تحرير عدن عام 2015، حيث أظهر قدرًا عاليًا من الاستقلالية في التخطيط، والدعم اللوجستي، والعمليات القتالية. لقد تصرف كقوة وطنية خالصة — مدربة ومُدارة ومُقادة من قبل إماراتيين — وقادرة على تنسيق مناورات معقدة دون إشراف مباشر من جهات أجنبية.
ويُبرز هذا النجاح أهمية توطين التدريب العسكري. فالتدريب الذي تقوده أطراف أجنبية غالبًا ما يفرض عقائد لا تتناسب مع واقع المنطقة. أما النظام التدريبي الموطّن، والمصمم بما يلائم السياق العملياتي والبيئة الثقافية للدول العربية، فيُعد الأفراد بشكل أفضل للتعامل مع التحديات الفعلية. ويُسهم وجود مدربين محليين يستخدمون اللغة المحلية والتاريخ والجغرافيا كمرجعيات أساسية في إعداد أفراد لا يتمتعون فقط بالكفاءة التقنية، بل أيضًا بالارتباط العميق بالمهمة والوطن.
ثانيًا، من الضروري بناء القدرات على جميع المستويات، وليس فقط في صفوف المقاتلين، بل أيضًا في مجال التخطيط، والدعم اللوجستي، والتحليل الاستخباري، والأمن السيبراني. فالاتكال على متعاقدين أجانب للحفاظ على القدرات الرئيسية يُعرّض الدول للخطر في فترات التوتر الجيوسياسي. وبدون المعرفة والأنظمة المحلية، يصبح الاستقلال الاستراتيجي مستحيلاً. أما الخبرة الوطنية فتضمن للدول القدرة على التخطيط، والاستمرار، وتنفيذ العمليات وفقًا لمصالحها وجداولها الزمنية.
وبنفس القدر من الأهمية، يأتي توطين هيكل القيادة. فسلسلة القيادة المتجذرة في الهوية الوطنية والفهم الاستراتيجي المحلي تزداد فرصها في كسب ثقة الجمهور والأداء الفعّال في البيئات المعقدة. فالضباط الإماراتيون الذين قادوا القوات الإماراتية في اليمن لم يكونوا مجرد منفذين للأوامر، بل فسّروا المهمة من منظور وطني، وتكيفوا مع الواقع الميداني، واتخذوا قرارات مستقلة أثبتت فعاليتها.
إن تقليص الاعتماد على الحلفاء لا يعني التخلي عن الشراكات، بل تبني نهج أكثر توازنًا. فالتعاون الاستراتيجي سيبقى ذا قيمة، لكن الاعتماد المفرط يُقيد حرية التحرك. فقد يغيب الحليف أو يتردد أو يكون مُقيدًا سياسيًا. وبناء قوات قوية وذات سيادة هو السبيل الوحيد لتحقيق جاهزية دائمة.
وفي الختام، يجب على الجيوش العربية أن تستثمر في ذاتها. ويُظهر الحرس الرئاسي الإماراتي أن ذلك ليس ممكنًا فحسب، بل يحدث بالفعل. ومع وجود رؤية واضحة والتزام حقيقي، يمكن لبقية الدول العربية أن تحذو حذوه، لضمان مواجهة التحديات المستقبلية بقوة تستند إلى القدرات الوطنية.
Lt Col. Abdullah AM (Retd.) 01/08/2025
Brigadier General Mohammed Al-Smadi (Retd.) 12/06/2025